الغزالي
14
إحياء علوم الدين
هل تعرف في زمانك هذا رجلا قد اشتغل بحاله عن الخلق ؟ فقال ما أعرف إلا رجلا سيدخل عليكم الساعة . فما كان إلا سريعا حتى دخل عتبة الغلام ، فقال له عبد الواحد بن زيد : من أين جئت يا عتبة ؟ فقال : من موضع كذا ، وكان طريقه على السوق ، فقال : من لقيت في الطريق ، فقال : ما رأيت أحدا ويروى عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه مر بامرأة ، فدفعها فسقطت على وجهها ، فقيل له لم فعلت هذا ؟ فقال ما ظننتها إلا جدارا . وحكي عن بعضهم أنه قال : مررت بجماعة يترامون ، وواحد جالس بعيدا منهم ، فتقدمت إليه ، فأردت أن أكلمه ، فقال : ذكر الله تعالى أشهى . فقلت أنت وحدك : فقال : معي ربي وملكاي . فقلت من سبق من هؤلاء ؟ فقال : من غفر الله له . فقلت أين الطريق ؟ فأشار نحو السماء ، وقام ومشى وقال : أكثر خلقك شاغل عنك فهذا كلام مستغرق بمشاهدة الله تعالى ، لا يتكلم إلا منه ، ولا يسمع إلا فيه . فهذا لا يحتاج إلى مراقبة لسانه وجوارحه ، فإنها لا تتحرك إلا بما هو فيه ودخل الشبلي على أبي الحسين النوري وهو معتكف ، فوجده ساكنا حسن الاجتماع لا يتحرك من ظاهره شيء . فقال له : من أين أخذت هذه المراقبة والسكون ؟ فقال من سنور كانت لنا ، فكانت إذا أرادت الصيد رابطت رأس الحجر لا تتحرك لها شعرة وقال أبو عبد الله بن خفيف : خرجت من مصر أريد الرملة للقاء أبي علي الروذباري فقال لي عيسى بن يونس المصري المعروف بالزاهد : إن في صور شابا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة فلو نظرت إليهما نظرة لعلك تستفيد منهما . فدخلت صور وأنا جائع عطشان ، وفي وسطي خرقة ، وليس على كتفي شيء . فدخلت المسجد ، فإذا بشخصين قاعدين مستقبلي القبلة فسلمت عليهما فما أجابانى . فسلمت ثانية وثالثة ، فلم أسمع الجواب . فقلت : نشدتكما باللَّه إلا رددتما عليّ السلام . فرفع الشاب رأسه من مرقعته ، فنظر إلىّ وقال : يا ابن خفيف ، الدنيا قليل ، وما بقي من القليل إلا القليل ، فخذ من القليل الكثير . يا ابن خفيف ، ما أقل شغلك حتى تتفرغ إلى لقائنا . قال : فأخذ بكليتى ثم طأطأ رأسه في المكان ، فبقيت عندهما حتى صلينا الظهر والعصر ، فذهب جوعى وعطشى وعنائى . فلما كان وقت العصر قلت : عظني